آخر الأخبار

هل تأخرت الهاكا في ردع الفوضى الإعلانية في رمضان


​في بلاغ أصدرته عقب اجتماعها يوم 25 مارس، عبّرت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) عن قلقها الشديد من طوفان الإعلانات الذي اجتاح شاشات المغاربة خلال شهر رمضان. بلاغ بدا متأخراً في توقيته، رغم صواب ما ورد فيه: "تشبُّع إعلامي مفرط يُضعف تجربة الجمهور ويُشوّه الرسالة الإعلامية، سواء كانت إخبارية أو ترفيهية أو خيالية."



لكن السؤال الكبير الذي يفرض نفسه هو: لماذا انتظرت الهاكا حتى نهاية الشهر الفضيل لتدق ناقوس الخطر؟ ألم يكن الأجدر بها التدخل المسبق؟ أم أن "الاقتصاد" غلب "الذوق العام" مجددًا؟

نعرف جميعًا أن شهر رمضان يُشكل موسمًا ذهبيًا للقنوات التلفزيونية: نسب المشاهدة ترتفع بشكل صاروخي، ما يجعل الفضاء الإعلاني سلعةً نادرة ومربحة. لكن ما شهدناه هذا العام فاق كل التوقعات: قصفٌ دعائيّ شبه متواصل، تشويشٌ على البرامج، واختلاط بين المحتوى الترفيهي والرسائل الترويجية.

ومن يدفع الثمن؟ المشاهد البسيط، والعائلة المغربية، وخصوصًا الأطفال والمراهقون الذين تعرّضوا لحملات تجارية مكثفة، دون حماية حقيقية من الجهات المعنية.
من يُسائل مصداقية الإعلام؟

تُحذر الهاكا من أن هذا الإفراط الإعلاني يقوض ثقة الجمهور في وسائل الإعلام، حتى تلك التي يُفترض أنها تقوم بمهام الخدمة العمومية. والحق يُقال، فهذه الملاحظة ليست جديدة: المواطن المغربي لم يعد يعرف أين تنتهي البرامج وأين تبدأ الإعلانات، خصوصًا مع انتشار الإشهار الخفي، والتسويق المقنّع، والرعاية التجارية غير المعلنة.

والأخطر من ذلك، كما ورد في البلاغ، أن بعض المنتجات تُروّج بطريقة تفتقر للشفافية والمهنية، ما يعمّق شعور الجمهور بأن المعلومة فقدت نزاهتها.
قوانين موجودة... لكنها غير مفعّلة؟

من حيث المبدأ، توجد قوانين تنظّم الفصل بين الإعلام والإعلان، لكن في الواقع، يبدو أن القنوات تغض الطرف، والهاكا تكتفي بالتذكير بعد أن ينتهي الموسم. فأين كانت المراقبة خلال الأسابيع الماضية؟ ولماذا لم نر أي قرارات زجرية تردع التجاوزات؟ وهل يكفي "التحسيس" بعد أن فات الأوان؟

الواقع يشير إلى أن المنظومة تحتاج إلى إعادة هيكلة حقيقية، لا مجرد بلاغات موسمية.

صحيح أن الإعلانات تمثل مصدر دخل رئيسي للقنوات، لكن ما تلمّح إليه الهاكا، وربما تتحاشى قوله بصراحة، هو أن النموذج الاقتصادي للإعلام المغربي يحتضر. الاعتماد الكلي على الإشهار التجاري، في ظل غياب بدائل تمويل مستقرة، يجعل القنوات رهينة المعلنين.

وهنا تُطرح إشكالية جوهرية: كيف يمكن الحفاظ على استقلالية التحرير وجودة المحتوى، حين يصبح المنتج الإعلامي مجرد وعاء لترويج السلع؟
ما بعد رمضان: ما مصير السيادة الإعلامية المغربية؟

الهاكا لم تكتف بالتشخيص الآني، بل وسّعت النقاش لتشمل مستقبل المشهد السمعي البصري في المغرب. فقد أصبح من الضروري، حسب تعبيرها، توفير إطار قانوني يحمي السيادة الثقافية والإعلامية، في وجه اجتياح المنصات الرقمية العابرة للحدود.

وفي ظل هذا التحوّل العالمي، فإن الاكتفاء بتنظيم المحتوى المحلي دون رؤية استراتيجية شاملة، لن يكون كافيًا. فالجمهور المغربي اليوم يعيش في بيئة إعلامية هجينة، يتنقل فيها بين الشاشة التقليدية وتطبيقات الهواتف، ويتطلب ذلك سياسات ذكية، مرنة، واستباقية.

 هل تكفي "النية الحسنة" دون فعل حازم؟

قد تكون رسالة الهاكا ضرورية، لكنها تفتقر لعنصر المبادرة الاستباقية. فمعاناة الجمهور مع الفوضى الإعلانية ليست وليدة هذا العام، ومع ذلك، لا زلنا نكتفي بتشخيص الأعراض دون علاج فعّال.

المطلوب اليوم ليس فقط تنظيم وقت الإشهار، بل إعادة التفكير في فلسفة الإعلام المغربي، وتحقيق توازن حقيقي بين الربح التجاري وكرامة المتلقي. والمشاهد المغربي، الذي تحمّل كثيرًا، يستحق أكثر من مجرد بلاغ في نهاية الشهر.

الهاكا، رمضان، إعلانات، إعلام، قنوات، إشهار


Aicha Bouskine
عائشة بوسكين صحافية خريجة المعهد العالي للإعلام والاتصال، باحثة في العلوم السياسية وصانعة محتوى في إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الجمعة 28 مارس 2025

              

Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ















تحميل مجلة لويكاند






Buy cheap website traffic