فؤاد يعقوبي باحث في علم النفس الإجتماعي
يعد العيد مناسبة جماعية ترتبط في الوعي الجمعي بالفرح، التآلف، والتجديد. مشاعر الفرح في هذه المناسبات لا تأتي من فراغ، بل تبنى على منظومة من العادات، الطقوس، والرموز التي ترسخت في الثقافة منذ الطفولة. من وجهة نظر علم النفس الاجتماعي، هذه المشاعر هي نتاج تأثير اجتماعي تراكمي، تغذيه التفاعلات الاجتماعية، والدعم الجمعي، والشعور بالانتماء. غير أن هذا المشهد لا يخلو من التوترات النفسية، وخصوصا لدى أولئك الذين يعيشون أوضاعا مادية صعبة. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ"قلق قلة الحيلة"، وهو شعور بالضغط أو العجز ينبع من عدم القدرة على مواكبة المتطلبات الاجتماعية المرتبطة بالعيد.
في هذا السياق، يحدث تفاعل نفسي دقيق بين فرحة العيد من جهة، وقلق قلة الحيلة من جهة أخرى، ليشكلا معا تجربة إنسانية مركبة. فعلى الرغم من أن السياق الجمعي يحث على الابتهاج، إلا أن التفاوت الطبقي والمعيشي، وما يصاحبه من مقارنات اجتماعية، قد يعمق الإحساس بالعجز لدى من لا يملكون القدرة على توفير ملابس جديدة، أو هدايا للأطفال، أو حتى المشاركة في الولائم العائلية. هذه التناقضات تندرج ضمن ما يسميه علم النفس الاجتماعي بـ"الازدواجية العاطفية" (Ambivalence) وهي الحالة التي يعيش فيها الفرد مشاعر متضادة في الوقت نفسه.
نظرية المقارنة الاجتماعية (Social Comparison Theory) تفسر جانبا من هذا الصراع. في العيد، تزداد فرص المقارنة بفعل التفاعل الكثيف مع الآخرين، سواء في الواقع أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فحين يرى الفرد من هم في محيطه يحتفلون بشكل يبدو أكثر بهجة أو راحة مادية، يبدأ في تقييم حالته بشكل سلبي، مما يزيد من شعوره بالنقص ويضعف أثر الفرح الرمزي بالعيد. هذا الشعور لا يرتبط فقط بالحالة المادية، بل بالتصور العام لما "يتوقع" من الشخص في هذه المناسبة، ما يخلق ضغطا نفسيا يعرف في الأدبيات الاجتماعية بـ"ضغط المعايير الاجتماعية" (Social Norm Pressure).
في المقابل، يقدم علم النفس الاجتماعي أدوات لفهم كيف يمكن تخفيف أثر هذا القلق. إحدى أبرز هذه الأدوات هي نظرية الهوية الاجتماعية (Social Identity Theory) والتي تؤكد أن الانتماء لمجموعة اجتماعية أو ثقافية يوفر للفرد نوعا من الدعم النفسي والمعنوي. في حالة العيد، يمكن لهذا الانتماء أن يعيد تركيز الفرد على القيم الرمزية غير المادية للعيد: مثل العطاء، التسامح، صلة الرحم، والفرح الروحي. بهذا، تصبح الهوية الجماعية درعًا نفسيًا يقي من أثر الضغط الاقتصادي، وتعيد للفرد شعورًا بالقيمة والانتماء، حتى في غياب القدرة المادية.
إضافة إلى ذلك، يلعب الدعم الاجتماعي دورًا جوهريًا. ففي المجتمعات التي تحتفظ بتقاليد التكافل والتراحم، يصبح العيد فرصة لتقوية الروابط وتبادل العون، مما يقلل من الشعور بالعزلة أو النقص. العيد، هنا، يتحول من مجرد مناسبة للعرض المادي إلى فضاء للمشاركة الإنسانية، تتجلى فيه قيمة "الوجود مع الآخر" أكثر من "امتلاك ما لدى الآخر".
وفي النهاية، فإن تفاعل فرحة العيد مع قلق قلة الحيلة يظهر بوضوح كيف أن المشاعر الإنسانية لا تبنى فقط على دوافع فردية داخلية، بل تتأثر بدرجة كبيرة بالسياق الاجتماعي والثقافي والاقتصادي. ومن خلال فهم هذه العلاقة الدقيقة بين المشاعر الفردية والتوقعات الجماعية، نستطيع بناء وعي مجتمعي أكثر تعاطفًا، يحتضن الإنسان في كل حالاته، ويعيد للأعياد معناها الإنساني العميق.
في هذا السياق، يحدث تفاعل نفسي دقيق بين فرحة العيد من جهة، وقلق قلة الحيلة من جهة أخرى، ليشكلا معا تجربة إنسانية مركبة. فعلى الرغم من أن السياق الجمعي يحث على الابتهاج، إلا أن التفاوت الطبقي والمعيشي، وما يصاحبه من مقارنات اجتماعية، قد يعمق الإحساس بالعجز لدى من لا يملكون القدرة على توفير ملابس جديدة، أو هدايا للأطفال، أو حتى المشاركة في الولائم العائلية. هذه التناقضات تندرج ضمن ما يسميه علم النفس الاجتماعي بـ"الازدواجية العاطفية" (Ambivalence) وهي الحالة التي يعيش فيها الفرد مشاعر متضادة في الوقت نفسه.
نظرية المقارنة الاجتماعية (Social Comparison Theory) تفسر جانبا من هذا الصراع. في العيد، تزداد فرص المقارنة بفعل التفاعل الكثيف مع الآخرين، سواء في الواقع أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فحين يرى الفرد من هم في محيطه يحتفلون بشكل يبدو أكثر بهجة أو راحة مادية، يبدأ في تقييم حالته بشكل سلبي، مما يزيد من شعوره بالنقص ويضعف أثر الفرح الرمزي بالعيد. هذا الشعور لا يرتبط فقط بالحالة المادية، بل بالتصور العام لما "يتوقع" من الشخص في هذه المناسبة، ما يخلق ضغطا نفسيا يعرف في الأدبيات الاجتماعية بـ"ضغط المعايير الاجتماعية" (Social Norm Pressure).
في المقابل، يقدم علم النفس الاجتماعي أدوات لفهم كيف يمكن تخفيف أثر هذا القلق. إحدى أبرز هذه الأدوات هي نظرية الهوية الاجتماعية (Social Identity Theory) والتي تؤكد أن الانتماء لمجموعة اجتماعية أو ثقافية يوفر للفرد نوعا من الدعم النفسي والمعنوي. في حالة العيد، يمكن لهذا الانتماء أن يعيد تركيز الفرد على القيم الرمزية غير المادية للعيد: مثل العطاء، التسامح، صلة الرحم، والفرح الروحي. بهذا، تصبح الهوية الجماعية درعًا نفسيًا يقي من أثر الضغط الاقتصادي، وتعيد للفرد شعورًا بالقيمة والانتماء، حتى في غياب القدرة المادية.
إضافة إلى ذلك، يلعب الدعم الاجتماعي دورًا جوهريًا. ففي المجتمعات التي تحتفظ بتقاليد التكافل والتراحم، يصبح العيد فرصة لتقوية الروابط وتبادل العون، مما يقلل من الشعور بالعزلة أو النقص. العيد، هنا، يتحول من مجرد مناسبة للعرض المادي إلى فضاء للمشاركة الإنسانية، تتجلى فيه قيمة "الوجود مع الآخر" أكثر من "امتلاك ما لدى الآخر".
وفي النهاية، فإن تفاعل فرحة العيد مع قلق قلة الحيلة يظهر بوضوح كيف أن المشاعر الإنسانية لا تبنى فقط على دوافع فردية داخلية، بل تتأثر بدرجة كبيرة بالسياق الاجتماعي والثقافي والاقتصادي. ومن خلال فهم هذه العلاقة الدقيقة بين المشاعر الفردية والتوقعات الجماعية، نستطيع بناء وعي مجتمعي أكثر تعاطفًا، يحتضن الإنسان في كل حالاته، ويعيد للأعياد معناها الإنساني العميق.