بقلم السفير محمد ماء العينين
هذه الحرب بل الفتنة، والفتنة أشد من القتل، التي تهدد أمن وتنمية مواطني اتحاد المغرب الكبير، يتساءل الجميع لماذا لا زالت مستمرة منذ ما يقارب نصف قرن؟ لماذا لا تعرف المنطقة ما عرفته مناطق أخرى من العالم أصبحت تنمو بانتظام لأن الدول المتجاورة فيها عرفت كيف توظف الجوار للرفع من وتيرة تنمية اقتصادات شعوبها؟ ففي أمريكا الجنوبية تحركت دول كانت متنافسة فأسست منظمة "الميركوسور"، وفي الجنوب الإفريقي توجد منظمة "الساديك" وفي إفريقيا الغربية جنوب الصحراء توجد منظمة "السيدياو" وفي المشرق العربي تأسس "مجلس التعاون الخليجي"، أما الاتحاد الأوربي فقد انتقل من مجموعة الست دول التي أسست السوق الأوربية المشتركة ليضم الاتحاد سبعة وعشرين دولة يتوقع لها أن تصبح ثلاثين لا تجمعها اللغة ولا الدين ولا نوعية الحكم ولكن تجمعها مصلحة شعوبها.
هذه الفتنة أسست لها الجزائر تنظيما باسم البوليساريو لا يعترف له العالم بصفة منظمة تحرير ولا بصفة تمثيلية لشعب ما، من باب أحرى أن يعترف له بصفة دولة. هذا التنظيم كتب عنه الكثير تفنيدا له، وكتب عنه المصطفون معه من وجهة نظر سرعان ما يتبين القارئ أنها مكتوبة كلها من محبرة واحدة.
قراءتي لكتاب "البوليساريو.. صعود نحو الهاوية" ومقارنته بالكتب المتعددة التي تيسّر لي الاطلاع عليها، خصوصا وأنني كمواطن مغربي مزداد إبان الاستعمار الاسباني بالصحراء المغربية الغربية التي بها تعرضت عائلتي لقصف عمليات إيكوفيون سنة 1958، ولكوني كنت بعد ذلك من بين الطلبة القادمين من الصحراء الذين بدأت لدى البعض منهم في بداية السبعينيات بالرباط إرهاصات الحركة الانفصالية، فإنه من واجبي أن أكون قد قرأت الكثير من الكتب في الموضوع، ويدعوني ذلك بقوة الوطنية أولا والفضول العلمي ثانيا والمهام النضالية ثالثا، أن أقوم بمقارنة كل كتاب مع الكتب الأخرى لأواكب الواجب العام في مقاومة تزوير التاريخ ومحاربة الدس والكذب على الأحداث والوقائع.. الذي تعاني منه بلادنا.
كتاب الأستاذ عبد العزيز كوكاس "البوليساريو.. الصعود نحو الهاوية" يعد بحق نموذجا جديدا ومقاربة غير مسبوقة. لقد تحاشى الكاتب عن قصد الخوض في التاريخ البعيد وتحاشى مناقشة أطروحات خصوم الوحدة الترابية أو استدلالات المغرب على حقوقه في إثبات ارتباط الأقاليم الصحراوية بالوطن الأب المملكة المغربية. وقام مؤلفه بمجهود غريب، يحاكي عمليات التشريح الطبي الدقيق التي يقوم بها الأطباء الكبار لمعالجة خلايا الدماغ البشري والأنسجة الدقيقة.. فهو لم يذهب بعيدا في التاريخ بل اعتمد بالأساس المواقف والأحداث الكبرى الفاعلة والموجهة، والتي وقعت على اعتماد الفترة الحاسمة ما بين سنة 1970 وسنة 1973 وهي جزء من التاريخ الحديث، لأن الذين عايشوا ما بعد 1970 لا زال الكثير منهم على قيد الحياة.
بأسلوبه السلس، قام الأستاذ كوكاس بتشريح دقيق لما تم بين المغرب والجزائر وموريتانيا وإسبانيا من اتصالات ومواقف وتصريحات من جهة، وما كان يُعتمل بالجامعة المغربية وبالعيون التي عرفت آنذاك انتفاضة "حي الزملة"، وما تراكم من وقائع مفصلية وسمت جزءا مهما من تاريخ الصراع في المنطقة.. إن من لم يحط بكل تلك الأحداث المتلاحقة من 1970 إلى 1973، يكون قد ضيع فرصة تشريح حاضنة الحركة الانفصالية، تلك الحاضنة التي بعملية قيصرية عنيفة أنجبت المولود الذي أطلق عليه سنة 1973 اسم "البوليساريو".
ببراعته المعهودة في كتاباته، عرف الكاتب كوكاس كيف يشبك بطريقة فائقة الذكاء بين ما يبدو وقائع منفصلة وبين الأطروحة التي يقدمها في هذا الكتاب برؤية مغايرة، من مثل:
- خيانة الجنرال أوفقير والجنرال المذبوح الذين أوقفا عمل لجنة تحديد الحدود بين المغرب والجزائر، وعملا على تقديم "الصحراء الشرقية المغربية" للجزائر قربانا لها لمساندتها لهم في المحاولتين انقلابيتين لسنتي 1971 و 1972،
- تصريح المغفور له الملك الحسن الثاني بمؤتمر القمة الإفريقية بالرباط في يونيو 1972 بالتنازل عن الصحراء الشرقية.
- عدم ثقة الرئيس بومدين في هذا التنازل لأن الملك لم يعرض اتفاقيته لتصديق البرلمان عليها.
- اجتماع الشباب الصحراوي بالزويرات بموريتانيا وما تلاه من اتصال مع الراحل القذافي.
- استعمال المعارضة المغربية المناوئة للملكية والتي كان بومدين يأويها بالجزائر.
أقول وجد بومدين الفرصة سانحة للانقضاض على هذه الحركة الشبابية الصحراوية التي كانت تبحث عن محتضن يقوي لديها توجهها الذي تحول من التحرير من المستعمر وفي إطار البلد الأم- المغرب إلى الانفصال.
هكذا إذن أفلح السيد كوكاس بأسلوب مباشر وبدون مراوغة، في تطريز الكيفية التي تم بها للجزائر تجميع كل التوابل للانتصار لهزيمتها في حرب الرمال بإخراج مولود البوليساريو بعملية قيصرية سريعة قبل أن يستفرد بها نظام القذافي، تمويلا ورعاية ودعما، ببساطة لأن تمويل القذافي لتلك الحركة كان يشكل خطرا لكون توجهاتها آنذاك بدأت تطال سكان منطقتي تيندوف وكولمبشار اللتين تعجان بنفس قبائل الصحراء المغربية وسبق لهما رفض المشاركة في استفتاء استقلال الجزائر لكون تلك القبائل كانت دائما تعتبر نفسها مغربية.
بدأت حركة البوليساريو تتدحرج ككرة ثلج ليصبح لها مساندون ضمن المنظومة التي يسيرها الغير مأسوف عليه الاتحاد السوفييتي. لكن كرة ثلج بوليساريو كانت تتدحرج على رمال الصحراء الحارقة، فكان لا بد لها أن تذوب وتبتلعها الرمال.. ذلك هو "الصعود نحو الهاوية" الذي أدعو القارئ للاستمتاع بتحليله بطريقة لا تخلو من رياضة فكرية عاصفة في هذا الكتاب الشيق الذي برع كاتبه في استخراج حقائق ومواقف منسية رغم أهميتها الكبرى والربط بينها بسلاسة تجعل القارئ يقف على ما حدث بالضبط في مسار القضية الوطنية، رغم الالتباسات العديدة والأكاذيب الصغرى التي حاولت أن تخفي وقائع التاريخ وحقائقه.