صحتنا

الفيبروميالجيا: جذور نفسية وأهمية العلاج في تحسين جودة الحياة


الفيبروميالجيا، أو ما يُعرف بمتلازمة الألم العضلي الليفي، هي حالة مرضية مزمنة تتميز بانتشار الألم في العضلات والمفاصل، إلى جانب التعب المستمر واضطرابات النوم والذاكرة. ورغم أن الأسباب الدقيقة لهذه المتلازمة لا تزال غير معروفة تماماً، فإن الأبحاث تشير إلى ارتباطها الوثيق بالصحة النفسية، حيث يلعب التوتر والقلق والصدمات النفسية دوراً محورياً في ظهور الأعراض واستمرارها.



العلاقة بين الفيبروميالجيا والصحة النفسية
تُصنّف الفيبروميالجيا ضمن ما يُعرف بـ"الاضطرابات الجسدية النفسية"، وهي الحالات التي تؤثر فيها العوامل النفسية بشكل مباشر على ظهور الأعراض الجسدية. وتشير الدراسات إلى أن العديد من المصابين بهذه المتلازمة لديهم تاريخ من القلق أو الاكتئاب أو الصدمات العاطفية، مما يعكس العلاقة الوطيدة بين العقل والجسد في هذا السياق.

دور التوتر والصدمات النفسية
التوتر المزمن من أبرز العوامل التي تؤدي إلى تفاقم أعراض الفيبروميالجيا. فالتعرض المستمر للضغوط النفسية يؤدي إلى زيادة إفراز هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول والأدرينالين، ما يتسبب في استثارة الجهاز العصبي المركزي بشكل مفرط. ومع مرور الوقت، تصبح استجابة الجهاز العصبي للألم مبالغاً فيها، حتى تجاه المنبهات غير المؤلمة.

إلى جانب ذلك، تُظهر الدراسات أن نسبة كبيرة من مرضى الفيبروميالجيا تعرضوا لصدمات نفسية في مراحل حياتهم المختلفة، مثل فقدان شخص عزيز أو التعرض للإيذاء الجسدي أو العاطفي. هذه التجارب تؤدي إلى تغييرات في كيمياء الدماغ والجهاز العصبي، ما يساهم في تطور الأعراض الجسدية المرتبطة بالمرض.

الاكتئاب واضطرابات النوم: حلقة مفرغة
يرتبط الاكتئاب والفيبروميالجيا بعلاقة متبادلة؛ فالألم المزمن الناتج عن المرض يزيد من مشاعر الإحباط واليأس، بينما يؤدي الاكتئاب إلى ارتفاع حساسية الجهاز العصبي للألم. كما أن اضطرابات النوم التي يعاني منها معظم المرضى تزيد من تفاقم الأعراض، مما يخلق حلقة مفرغة من الألم والتعب والإنهاك النفسي.

لماذا يُصاب البعض بالفيبروميالجيا؟
يعتقد بعض الخبراء أن الفيبروميالجيا قد تكون نتيجة لآليات دفاع نفسية غير واعية، يلجأ إليها العقل للتعامل مع المشاعر السلبية غير المعالجة. عندما يواجه الشخص مشاعر قوية مثل الغضب أو الحزن أو الخوف دون القدرة على التعبير عنها، قد يعيد العقل توجيه هذه المشاعر إلى الجسم على هيئة أعراض جسدية.

كما تشير بعض النظريات النفسية إلى أن التجارب الماضية والمعتقدات العميقة قد تبرمج العقل على إدراك الألم بشكل مستمر، حتى بعد زوال السبب الجسدي.

أهمية العلاج النفسي في التخفيف من الأعراض
رغم أن الفيبروميالجيا ليست مرضاً نفسياً بحتاً، إلا أن العلاج النفسي يمكن أن يلعب دوراً كبيراً في تحسين جودة حياة المرضى. ومن بين العلاجات الفعالة:

العلاج السلوكي المعرفي (CBT):
يساعد هذا النوع من العلاج على تغيير الأفكار السلبية المتعلقة بالألم والمرض، ويُعلّم المرضى كيفية التكيف مع الأعراض الجسدية وتقليل التوتر.

تقنيات البرمجة اللغوية العصبية (NLP):
تعمل البرمجة اللغوية العصبية على إعادة برمجة العقل للتعامل مع الألم بشكل مختلف، من خلال تغيير المعتقدات المرتبطة به واستخدام تقنيات الاسترخاء والتصور الذهني.

العلاج بالتنويم الإيحائي:
يمكن للتنويم الإيحائي أن يساعد في تخفيف الألم المزمن عن طريق الوصول إلى العقل اللاواعي وإعادة برمجته للاستجابة للألم بطريقة أقل حدة.

تمارين التأمل واليقظة الذهنية (Mindfulness):
تُساهم هذه التمارين في تقليل استجابة الجسم للتوتر، مما يُخفف من تفاقم الأعراض ويُعزز الشعور بالراحة النفسية.

العلاج النفسي العميق ومعالجة الصدمات:
في بعض الحالات، يكون العلاج النفسي العميق، مثل العلاج التحليلي أو العلاج بالصدمات العاطفية (EMDR)، فعالاً في معالجة الأسباب العاطفية الكامنة وراء المرض، مما يؤدي إلى تخفيف الأعراض الجسدية بشكل ملحوظ.

الفيبروميالجيا: أكثر من مجرد ألم جسدي
الفيبروميالجيا ليست مجرد حالة جسدية، بل هي مزيج معقد من العوامل النفسية والجسدية التي تؤثر على المريض. وبينما لا يوجد علاج نهائي حتى الآن، فإن التركيز على تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر، ومعالجة الصدمات القديمة، يمكن أن يكون المفتاح للتخفيف من الأعراض وتحسين جودة الحياة. إن فهم العلاقة بين العقل والجسد هو خطوة أساسية نحو إدارة هذا المرض بشكل أفضل والعيش بحياة أكثر راحة وسعادة.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاثنين 17 مارس 2025
في نفس الركن